عبد الرحمن بن ناصر السعدي

241

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ول كن كثيرا منهم فاسقون ) * يقول تعالى ، لنبيه صلى الله عليه وسلم : * ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ) * أي : لا تتجاوزوا وتتعدوا الحق إلى الباطل . وذلك كقولهم في المسيح ، ما تقدم حكايته عنهم . وكغلوهم في بعض المشايخ ، متبعين * ( أهواء قوم قد ضلوا من قبل ) * أي : تقدم ضلالهم . * ( وأضلوا كثيرا ) * من الناس ، بدعوتهم إياهم إلى الدين ، الذي هم عليه . * ( وضلوا عن سواء السبيل ) * أي : قصد الطريق ، فجمعوا بين الضلال والإضلال . وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر منهم ، من اتباع أهوائهم المردية ، وآرائهم المضلة . ثم قال تعالى : * ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ) * أي : طردوا وأبعدوا عن رحمة الله . * ( على لسان داود عيسى ابن مريم ) * أي : بشهادتهما وإقرارهما ، بأن الحجة قد قامت عليهم ، وعاندوها . * ( ذلك ) * الكفر واللعن * ( بما عصوا وكانوا يعتدون ) * أي : بعصيانهم لله ، وظلمهم لعباد الله ، صار سببا لكفرهم ، وبعدهم عن رحمة الله ، فإن للذنوب والظلم ، عقوبات . ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات ، وأوقعت بهم العقوبات أنهم : * ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) * أي : كانوا يفعلون المنكر ، ولا ينهى بعضهم بعضا . فيشترك بذلك المباشر وغيره ، الذي سكت عن النهي عن المنكر ، مع قدرته على ذلك . وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله ، وأن معصيته خفيفة عليهم . فلو كان لديهم تعظيم لربهم ، لغاروا لمحارمه ، ولغضبوا لغضبه . وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبا للعقوبة ، لما فيه من المفاسد العظيمة . منها : أن مجرد السكوت ، فعل معصية ، وإن لم يباشرها الساكت . فإنه كما يجب اجتناب المعصية فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية . ومنها : ما تقدم ، أنه يدل على التهاون بالمعاصي ، وقلة الاكتراث بها . ومنها : أن ذلك يجرىء العصاة والفسقة ، على الإكثار من المعاصي ، إذا لم يردعوا عنها ، فيزداد الشر ، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية ، ويكون لهم الشوكة والظهور . ثم بعد ذلك ، يضعف أهل الخير ، عن مقاومة أهل الشر ، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولا . ومنها : أنه بترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ، ويكثر الجهل . فإن المعصية مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص ، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها يظن أنها ليست بمعصية ، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة . وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله ، حلالا ؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا ؟ ومنها : أن بالسكوت على معصية العاصين ، ربما تزينت المعصية في صدور الناس ، واقتدى بعضهم ببعض . فالإنسان ، مولع بالاقتداء بأحزابه ، وبني جنسه . ومنها ومنها . فلما كان السكوت على الإنكار بهذه المثابة ، نص الله تعالى ، أن بني إسرائيل الكفار منهم ، لعنهم بمعاصيهم ، واعتدائهم ، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم . * ( لبئس ما كانوا يفعلون ) * . * ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) * بالمحبة والموالاة والنصر . * ( لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ) * البضاعة الكاسدة ، والصفقة الخاسرة . وهي : سخط الله ، الذي يسخط لسخطه كل شيء ، والخلود الدائم في العذاب العظيم . فقد ظلمتهم أنفسهم ، حيث قدمت لهم ، هذا النزل ، غير الكريم . وقد ظلموا أنفسهم إذ فوتوها النعيم المقيم . * ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ، ما اتخذوهم أولياء ) * . فإن الإيمان بالله وبالنبي ، وما أنزل إليه ، يوجب على العبد موالاة ربه ، وموالاة أوليائه ، ومعاداة من كفر به وعاداه ، وأوضع في معاصيه . فشرط ولاية الله والإيمان به ، أن لا يتخذ أعداء الله أولياء . وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط ، فدل على انتفاء المشروط . * ( ولكن كثيرا منهم فاسقون ) * أي : خارجون عن طاعة الله والإيمان به ، وبالنبي . ومن فسقهم ، موالاة أعداء الله . * ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين * والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أول ئك أصحاب الجحيم ) * ثم قال تعالى : * ( لتجدن أشد الناس عداوة ) * ( إلي ) * ( أصحاب الجحيم ) * . يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين ، وإلى ولايتهم ، ومحبتهم ، وأبعدهم من ذلك : * ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) * . فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق ، أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين ، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم . وذلك ، لشدة بغضهم لهم ، بغيا ، وحسدا ، وعنادا ، وكفرا . * ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) * . وذكر تعالى لذلك عدة أسباب : منها : أن * ( منهم قسيسين ورهبانا ) * أي : علماء متزهدين ، وعبادا في